الشيخ محمد الصادقي
407
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
الداعي أن يصلح نفسه باستغفاره لنفسه حتى يستصلح غيره باستغفاره لهم ، مهما كان الاستغفار عن غير ذنب فإنه استصلاح الاستكمال والدفع عما يطرد ، عصمة عن كل وارد وشارد لا يناسب ساحة النبوة . حملة العرش ومن حوله « يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا » قائلين قبله ما يهيء جو الغفران : « رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً . . . » قضية سعة عرش الرحمة والعلم ، فلا تسع الرحمة ما لم يسع العلم ، ولا تفيد سعة العلم ما لم تسع الرحمة « وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ » فسعة العلم والرحمة معا هي التي تسمح لمطلق الغفر والغفر المطلق عن أي ذنب كان ، فلأنه واسع الرحمة والعلم ، لذلك « إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ . . . » ( 53 : 33 ) . ولأنك واسع العلم والرحمة فواسع المغفرة « فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ » فليست التوبة لفظة تقال ، أم نية تنال ، أم عقيدة كامنة ، فإنها كلها ذرائع لاتباع سبيل اللّه ، فلا غفران للذين تابوا ولم يتبعوا سبيل اللّه ، إذ ليست التوبة إلّا عن انحراف السبيل . وترى إذا كانت رحمته وسعت كل شيء كما علمه فلما ذا يحرم عنها غير المؤمنين ؟ إنها وسعت كل شيء إمكانية الشمول دون ضيق أو مضايقة ولكن « فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ . . . » « قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ . . . » ( 7 : 157 ) . وإذا تم الغفران بالتوبة فقد تمت الوقاية عن عذاب الجحيم ، فما هو إذا موقف « وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ » بعد « فاغفر » ؟ علّها الوقاية دفعا عن العصيان حتى لا يحتاج إلى توبة وغفران ، أم وتعم الدفع والرفع عموما